السيد كمال الحيدري

209

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الكواكبى إذا ما تركنا الأفغاني وعبده ورحلنا صوب رمز آخر من رموز الإحياء الإسلامي هو السيّد عبد الرحمن الكواكبى ( 1902 1848 ) لرأيناه يقدّم في فكره الاجتماعي منظومة من العوامل التي أسهمت في انحطاط المسلمين وتأخّرهم ترجع إلى ثلاث مجاميع من الأسباب ، هي : الأسباب الدينيّة ، والسياسيّة ، الأخلاقية والتربوية . ثمّ لا يألو جهداً في أن يضع التأثيرات السلبية لعقيدة الجبر وما حمله الفهم العرفي الخاطئ للقضاء والقدر من تبعات على أفكار الأمّة وسلوكها ، في طليعة الأسباب الدينية ومقدّمتها ، كما فصّل ذلك في كتابه المعروف « أمّ القرى » « 1 » . ابن باديس حين نصل إلى العالم الجزائري المعروف الشيخ عبد الحميد بن باديس ( 1359 1308 ه ) نراه يضرب بشدّة على الفهم الاجتماعي الخاطئ الذي يسعى إلى تبرير التخلّف والخضوع للاستعمار والاستكانة للذلّ على أسس قدرية إلهية مزعومة ، ويجعل من إعادة بناء هذه العقيدة الربّانية القرآنية على أساس سننى أحد أركان مهمّته في الإحياء الديني . يكتب في حكاية قول من ابتغى تسويغ الاحتلال الفرنسي للجزائر وسياسة الفرنسة التي تمارسها بدعوى أنّ ذلك قدر وقضاء إلهىّ لا مردّ له ولا مفرّ منه : « إذا كنّا أصبحنا فرنسيين فقد أراد الله ذلك ، وهو على كلّ شئ قدير . . ولو أراد الله أن يكسح الفرنسيّين من هذه البلاد لفعل وكان ذلك عليه أمراً يسيراً ، لكنّه كما ترون يمدّهم بالقوّة ، وهى

--> ( 1 ) أمّ القرى ، عبد الرحمن الكواكبى ، القاهرة ، 1350 ه ، ص 110 ؛ الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة ، ص 164 .